فصل: تفسير الآيات (8- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (5- 7):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث} أي: إن شككتم في أمر البعث، فمُزيل ريبكم أن تنظروا في بدء خلقكم، وقد كنتم في الابتداء تُرابًا وماء، وليس سبب إنكاركم بالبعث إلا هذا، وهو صيرورة الخلق ترابًا وماء، فكما بدأكم منه يعيدكم منه، كما قال تعالى: {فإِنّا خلقناكم} أي: أباكم {من تراب ثم} خلقناكم {من نطفة ثم من علقة} أي: قطعة دم جامدة، {ثم من مضغة} أي: لحمة صغيرة، بقدر ما يمضغ، {مُخَلَّقةٍ} أي: مصورة الخلقة، {وغيرِ مُخَلَّقةٍ} أي: لم يتبين خلقها وصورتها بعدُ. والمراد: تفصيل حال المضغة؛ من كونها أولاً مضغة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئًا فشيئًا. وكان مقتضى الترتيب أن يُقدم غير المخلقة على المخلقة، وإنما أخرت عنها؛ لأنها عدم الملكة، والملكة أشرف من العدم.
وإنما فعلنا ذلك؛ {لنُبيِّنَ لكم}، بهذا التدريج، كمال قدرتنا وحكمتنا؛ لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولاً، ثم من نطفة ثانيًا، وقدر على أن يجعل النطفةَ علقةً، والعلقة مضغة، والمضغة عظامًا، قدر على إعادة ما بدأ، بل هو أهون في القياس {ونُقِرُّ} أي: نثبت {في الأرحام ما نشاء} ثبوته {إِلى أجلٍ مسمى}: وقت الولادة، وما لم نشأ ثبوته أسقطته الأرحام. {ثم نُخرِجُكم} من الرحم {طفلاً}، أي: حال كونكم أطفالاً. والإفراد باعتبار كل واحد منهم، أو بإرادة الجنس، {ثم لتبلغوا أشدَّكم} أي: ثم نربيكم؛ لتبلغوا كمال عقلكم وقوتكم. والأشد: من ألفاظ الجموع التي لم يستعمل له واحد. ووقته: قيل: ثلاثون سنة، وقيل: أربعون.
{ومنكم مَن يُتوفى} قبل بلوغ الأشد أو بعده، {ومنكم من يُردُّ إِلى أرذل العُمُر} أي: أخسه، وهو الهرَمُ والخرف، {لكيلا يعلمَ من بعد علم شيئًا} أي: لكيلا يعلم شيئًا من بعد ما كان يعلمه من العلوم، مبالغة في انتقاص علمه، وانتكاس حاله، أي: ليعود إلى: ما كان عليه في أوان الطفولية، من ضعف البنية، وسخافة العقل، وقلة الفهم، فينسى ما علمه، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. قال ابن عباس: من قرأ القرآن، وعمل به، لا يلحقه أرذل العمر. ثم ذكر دليلاً آخر على البعث، فقال: {وترى الأرض هامدةً}: ميتة يابسة، {فإِذا أنزلنا عليها الماء اهتزت}؛ تحركت بالنبات {ورَبَتْ}؛ انتفخت {وأنبتتْ من كل زوج}: صنف {بهيج}: حسن رائق يسر ناظره.
{ذلك بأن الله هو الحق} أي: ذلك الذي ذكرنا؛ من خلق بني آدم، وإحياء الأرض، مع ما في تضاعيف ذلك من أصناف الحِكم، حاصل بهذا، وهو أن الله هو الحق، أي: الثابت الوجود. هكذا للزمخشري ومن تبعه، وقال ابن جُزَي: والظاهر: أن الياء ليست سببية، كما قال الزمخشري، وهو أيضًا مقتضى تفسير ابن عطية، وإنما يُقدر لها فعل يتعلق به ويقتضيه المعنى، وذلك أن يكون التقدير: ذلك الذي تقدم من خلق الإنسان والنبات، شاهد بأن الله هو الحق، وبأنه يحيي الموتى، وبأن الساعة آتية، فيصح عطف {وأن الساعة} على ما قبله، بهذا التقدير، وتكون هذه الأشياء المذكورة، بعد قوله: {ذلك}، مما استدل عليه بخلقة الإنسان والنبات. اهـ.
قال المحشي الفاسي: ويرد عليه: أن تقديره عاملاً خاصًا يمنع حذفه، وإنما يحذف إذا كان كونًا مُطلقًا، فلا يقال: زيد في الدار، وتريد ضاحكٌ مثلاً، إلا أن يقال في الآية: دل عليه السياق، فكأنه مذكور. وعند الكواشي: ليعلموا بأن الله هو الحق. وقال القرطبي: قوله: {ذلك بأن الله هو الحق}، لمّا ذكر افتقار الموجودات إليه، وتسخيرها على وفق اقتداره واختياره، قال بعد ذلك: {ذلك بأن الله هو الحق}، نبه بهذا على أن كل ما سواه، وإن كان موجودًا؛ فإنه لا حقيقة له من نفسه؛ لأنه مسخر ومُصَرفٌ، والحق الحقيقي هو الموجود المطلق، الغني المطلق، وإنَّ وجود كل موجود من وجوب وجوده، ولهذا قال في آخر السورة: {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل} [الحَجّ: 62]، والحق هو الوجود الثابت، الذي لا يزول ولا يتغير، وهو الله تعالى. ثم قال عن الزجاج: {ذلك} في موضع رفع، أي: الأمر ما وُصِفَ لكم وبُيِّن؛ لأن الله تعالى هو الحق، ويجوز كونه في مَوْضِع نصب، أي: فعل ذلك بأن الله هو الحق، قادر على ما أراد. اهـ.
وذلك أيضًا شاهد بأنه {يُحيي الموتى} كما أحيا الأرض، مرة بعد أخرى، {وأنه على كل شيء قدير} أي: مبالغ في القدرة، وإلاَّ لَمَا أوجد هذه الموجودات الفائتة الحصر. وتخصيص إحياء الموتى بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها؛ للتصريح بما فيه النزاع، وللطعن في نحور المنكرين. {وأنَّ الساعة آتيةً}: قادمة عليكم، {لا ريبَ فيها}، وإيثار اسم الفاعل على الفعل؛ للدلالة على تحقق إتيانها وتقريره ألْبَتَّةَ. ومعنى نفي الريب عنها: أنها، في ظهور أمرها ووضوح دلائلها، بحيث ليس فيها مظنة الريب، {وأنَّ الله يبعثُ من في القبور}؛ لأنه تعالى حكم بذلك ووعد به، وهو لا يخلف الميعاد، والتعبير ب {من في القبور}: خرج مخرج الغالب، وإلاَّ فهو يبعث كل من يموت. والله تعالى أعلم وأحكم.
الإشارة: يا أيها الناس المنكرون لوجود التربية النبوية، وظهور أهل الخصوصية في زمانهم، الذين يحيي الله الأرواح الميتة، بالجهل والغفلة، على أيديهم؛ إن كنتم في ريب من هذا البعث فانظروا إلى أصل نشأتكم وتنقلات أطواركم، فمن فعل ذلك وقدر عليه، قدر أن يحيي النفوس الميتة بالغفلة في كل زمان. وفي الحِكَم: (من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدرًا). وجرت عادته أنه لا يحييها في الغالب إلا على أيدي أهل الخصوصية. وترى أرض النفوس هامدة ميتة بالغفلة، فإذا أنزلنا عليها ماء الحياة، وهي الواردات الإلهية، وأسقيناها الخمرة القدسية، اهتزت فرحًا بالله، وربت، وارتفعت بالعلم بالله، وأنبتت من أصناف العلوم والحكم، ما تَبْهَجُ منه العقول، ذلك شاهد بوحدانية الحق، وأن ما سواه باطل. وبالله التوفيق.

.تفسير الآيات (8- 10):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يُجادل في الله} أي: في شأنه، فيصفه بغير ما هو أهله، وهو أبو جهل، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وقيل: هو من يتصدى لإضلال الناس، كائنًا من كان. حال كونه {بغير علم}، بل بجهل وهوىً. والمراد بالعلم: الضروري، كما أن المراد بالهدى في قوله: {ولا هُدىً}: هو الاستدلال والنظر الصحيح، الهادي إلى المعرفة. {ولا كتابٍ منير} أي: وحي يستند إليه، والحجة إنما تقوم بأحد هذه الثلاثة، أي: يجادل في شأنه تعالى، من غير تمسك بمقدمة ضرورية، ولا بحجة نظرية، ولا برهان سمعي.
حال كونه {ثانِيَ عِطْفِه} أي: لاويًا عُنُقَهُ عن طاعة الله؛ كبرًا وعُتوًا، أو عاطفًا بجانبه، وطاويًا كَشْحَهُ، معرضًا متكبرًا، فثنْي العطف كناية عن التكبر. وقرأ الحسن بفتح العين، أي: مانعًا تعطفه على المساكين؛ قسوةً. فعل ذلك الجدال {ليضلَّ عن سبيل الله} أي: ليضل الناس عن سبيل الله؛ فإنَّ غرضه بالمجادلة إضلال المؤمنين، أو جميع الناس، وقرأ المكي وأبو عمر: بفتح الياء، أي: ليصير ضالاً عن سبيل الله. وجعل ضلاله غاية لجداله، من حيث إن المراد به الضلال المبين، الذي لا هداية بعده، مع تمكنه منها قبل ذلك، أي: ليرسخ في الضلالة أيّ رسوخ، {له في الدنيا خِزيٌ}: هوان وذُل، وهو القتل يوم بدر، وهو بيانُ نتيجةِ ما سلكه من الطريقة، أي: يثبت له، بسبب ما فعل، خزي وصغار، وهو ما أصابه ببدر، {ونُذِيقه يومَ القيامة عذابَ الحريق} أي: النار المحرقة.
{ذلك} أي: ما ذكر من العذاب الدنيوي والأخروي. وما في الإشارة من البُعد؛ للإيذان بكونه في الغاية القاصية من الهول والفظاعة، أي: ذلك العذاب الهائل {بما قدمتْ يداك} أي: بسبب ما اقترفْتَهُ من الكفر والمعاصي. وإسناده إلى يديه؛ لأن الاكتساب في الغالب بهما. والالتفات؛ لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد. أو يقال له يوم القيامة: {ذلك بما قدمت يداك وأنَّ الله ليس بظلام للعبيد}، فلا يأخذ أحدًا بغير ذنب ولا بذنب غيره. وهو خبر عن مضمر، أي: والأمر أنَّ الله ليس بمعذبٍ لعبيده بغير ذنب، وأما عطفه على {بما} فغير سديد، ولفظ المبالغة؛ لاقترانه بلفظ الجمع في العبيد، ولأن قليل الظلم منه، مع علمه بقبحه واستغنائه عنه، كالكثير منا. قاله النسفي.
وقِيل: {ظلام}: بمعنى: ذي ظلم، فتكون الصيغة للنَّسَبِ. والتعبير عن ذلك بنفي الظلم، مع أن تعذيبهم بغير ذنب، ليس بظلم قطعًا، على ما تقرر في مذهب أهل السنة، فضلاً عن كونه ظلمًا بالغًا؛ لأن الحق تعالى إنما يُظهر لنا كمال العدل، وغاية التنزيه، وإن كان في نفس الأمر جائز أن يعذب عباده بلا ذنب، ولا يسمى ظلمًا؛ لأنه تصرف في ملكه، لكنه تعالى لم يظهر لنا في عالم الشهادة إلا كمال العدل. والله تعالى أعلم.
الإشارة: من يخاصم في طريق القوم، وينفيها عن أهلها، إما أن يكون تقليدًا، وهو ما تقدم، أو يكون تكبرًا وعتوًا، بحيث لم يرض أن يحط رأسه لهم، وهو ما أشير إليه هنا. ولا شك أن المتكبر لابد أن يلحقه ذل، ولو عند الموت. ويوم القيامة يُحشر صاغرًا كالذر، كما في الحديث. والله تعالى أعلم.

.تفسير الآيات (11- 13):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)}
قلت: {لَمَن ضره}: قال ابن عطية: جرى فيه إشكال؛ وهو دخول اللام على مَنْ، وهو في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول. وأجيب بثلاثة أوجه؛ أحدها: أن اللام متقدمة على موضعها، والأصل أن يقال: يدعو مَنْ لَضَرُّهُ أقرب، فموضعها الدخول على المبتدأ، وثانيها: أنَّ {يدعوا} تأكيد ليدعو الأول، وتم الكلام عنده، ثم ابتدأ قوله: {لَمَن ضره}، فمن مبتدأ، وخبره: {لبئس المولى}- قلت-: وإياه اعتمد الهبطي في وقفه، وثالثها: أن معنى {يدعو}: يقول يوم القيامة هذا الكلام، إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت اللام على مبتدأ في أول الكلام. اهـ.
قلت والأقرب ما قاله الزجاج، وهو: أن مفعول {يدعو} محذوف، ويكون ضميرًا يعود على الضلال، وجملة: {يدعو}: حال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، أي: حال كونه مدعوًا له، ويكون قوله: {لمن ضره} مستأنفًا مبتدأ، خبره: {لبئس المولى}. نقله المحشي. وحكم المحلي بزيادة اللام.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ومن الناس من يعبد الله على حَرْفٍ} أي: على طرف من الدين لا ثبات له فيه، كالذي ينحرف إلى طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرَّ، وإلا فر. وفي البخاري عن ابن عباس: «كان الرجل يَقدمُ المدينة، فإن ولدت امرأتُهُ غلامًا ونُتجَتْ خَيْلُه، قال: هذا دينٌ صالح، وإن لم تَلِد امرأته، ولم تنتج خيلُه، قال: هذا الدين سُوء». وكأن الحق تعالى سلك في الآية مسلك التدلي، بدأ بالكافر المصمم، يجادل جدالاً مجملاً، يتبع فيه كل شيطان مريد. والثاني: مقلد مجادل، من غير دليل ولا برهان، والثالث: كافر أسلم إسلامًا ضعيفًا. ثم قابل الأقسام الثلاثة بضدهم، بقوله: {إن الله يدخل الذين آمنوا...} الآية.
ثم كمَّل حال المذبذب بقوله: {فإِن أصابه خيرٌ} أي: دنيوي؛ من الصحة في البدن، والسعة في المعيشة، {اطمأن به} أي: ثبت على ما كان عليه ظاهرًا، لا أنه اطمأن به اطمئنان المؤمنين، الذين لا يلويهم عنه صارف، ولا يثنيهم عنه عاطف. {وإِن أصابته فتنةٌ}: بلاء في جسده، وضيق في معيشته، أو شيء يفتتن به، من مكروه يعتريه في بدنه أو أهله أو ماله، {انقلب على وجهه} أي: ارتد ورجع إلى الكفر، كأنه تنكس بوجهه إلى أسفل. أو انقلب على جهته التي كان عليها. وتقدم عن ابن عباس أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، مهاجرين، فكان أحدهم إذا صحَّ بدنه ونتجَتْ فَرَسُه مُهْرًا سريًا، وولدت امرأته غلامًا سويًا، وكَثُرَ مالُه وماشيته، قال: ما أصبتُ، مذ دخلت في ديني هذا، إلا خيرًا، واطمأن، وإن كان الأمر خلافه، قال: ما أصبتُ إلا شرًّا، وانقلب عن دينه. وعن أبي سعيد رضي الله عنه: أَنَّ يهُوديًا أَسْلَمَ فَأَصابَتْهُ مَصَائبُ، وتَشَاءَمَ بالإِسْلامِ، فَأَتَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَال: أَقِلْنِي، فقال: «إنَّ الإسْلاَمَ لا يُقالُ» فَنَزلت.
{خَسِرَ الدنيا والآخرة}: فَقَدَهُما، وضيعهما؛ بذهاب عصمته، وحبوط عمله بالارتداد. وقرأ يعقوب: خاسر، على حال. {ذلك هو الخسران المبين}؛ الواضح، الذي لا يخفى على أحد أنه لا خسران مثله.
ثم بيَّن وجه خسرانه بقوله: {يدعو} أي: يعبد {مِن دون الله} أي: متجاوزًا عنه تعالى، {ما لا يضرُّه} إذا لم يعبده، {وما لا ينفعه} إذا عبده. {ذلك} الدعاء {هو الضلالُ البعيد} أي: التلف البعيد عن الحق.
{يدعو} أي: يعبد {لَمَن ضَرُّهُ} أي: الصنم الجامد الذي ضرره {أقربُ من نفعه}. وقرأ ابن مسعود: {يدعو من ضره}، بحذف اللام. أو: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه هذا المذبذب المنقلب على وجهه. قال ابن جزي: وهنا إشكال: وهو أنه تعالى وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضررها أكثر من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟ والجواب: أن الضر المنفي أولاً يُراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل شيئًا، والضر الثاني، الذي أثبته لها، يُراد به ما يكون بسببها من العذاب وغيره. اهـ. {لبئس المولى} أي: الناصر، {ولبئس العَشِيرُ} أي: الصاحب. أو يدعو ويصرخ يوم القيامة، حين يرى استضراره بالأصنام، ولا يرى لها أثر الشفاعة، ويقول لِمَنْ ضره أقرب من نفعه: لبئس المولى هو ولبئس العشير. والله تعالى أعلم.
الإشارة: ومن الناس من يعبد الله على حرف؛ على طرف من الدين، غير متمكن فيه، فإنه أصابه خير، وهو ما تُسر به النفس من أنواع الجمال، اطمأن به، وإن أصابته فتنة، وهو ما يؤلم النفس وينغص عليها مرادها وشهوتها من أنواع الجلال، انقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله على طمع في الجزاء الدنيوي أو الأخروي، فإن أصابه خير فرح واطمأن به وإن أصابته فتنة سخط وقنط وانقلب على وجهه. أو: ومن الناس من يعبد الله ويسير إليه على حرف، أي: حالة واحدة، فإن أصابه خير؛ كقوة ونشاط وورود حال؛ اطمأن به وفرح، وإن أصابته فتنة؛ كضعف وكسل وذهاب حال، انقلب على وجهه، ورجع إلى العمومية، أو وقف عن السير، خسر الدنيا والآخرة. خسران الدنيا: ما يفوته من عزّ الله ونصره لأوليائه، وحلاوة برد الرضا والتسليم، ولذيذ مشاهدته. وخسران الآخرة: ما يفوته من درجة المقربين ودوام شهود رب العالمين- فالواجب على العبد أن يكون عبدًا لله في جميع الحالات، لا يختار لنفسه حالاً على حال، ولا يقف مع مقام ولا حال، بل يتبع رياح القضاء، ويدور معها حيث دارت، ويسير إلى الله في الضعف والقوة.
قال بعضهم: سيروا إلى الله عَرْجَى ومكاسير. وفي الحكم: (إلهي؛ قد علمتُ، باختلاف الآثار وتنقلات الأطور أن مرادك مني أن تتعرف إليّ في كل شيء، حتى لا أجهلك في شيء). وقال أيضًا: «لا تطلبن بقاء الواردات، بعد أن بسطت أنوارها، وأودعت أسرارها، فلك في الله غنى عن كل شيء، وليس يغنيك عنه شيء». فكن عبد المحوِّل، ولا تكن عبد الحال، فالحال تَحُولُ وتتغير، والله تعالى لا يحول ولا يزول، فكن عبدًا لله، ولا تكن عبدًا لغيره.
لِكَلِّ شَيء إن فارقْتَهُ عِوَضٌ ** وَلَيْسَ لله إنْ فَارقَْتَ مِنْ عِوَض